السيد البجنوردي

301

منتهى الأصول ( طبع جديد )

وبعبارة أخرى : كما أنّ أمره تعالى ونهيه من مقدّمات إحداث الداعي للمكلّف للفعل أو الترك ، كذلك الوعد والوعيد أيضا من مقدّماتهما نحوهما ، وخلف الوعد قبيح ، فيجب عليه تعالى الوفاء بوعده . وأنت خبير : بأنّ هذا أيضا لا ينافي التفضّل ، بل وعده الثواب على إتيان المأمور به وترك المنهي عنه ، والكفّ عنه لتقوية الأمر في إحداث الداعي عين التفضّل ، وأمّا لزوم وفائه بوعده - لقبح خلف الوعد - فلا ربط له بالاستحقاق أصلا ، كما هو واضح وظاهر . والحاصل : أنّ الاستحقاق بالمعنى الأوّل لا يمكن الالتزام به ، وبالمعنيين الآخرين لا ينافي التفضّل ، وخصوصا بالمعنى الأخير ؛ لأنّه عين التفضّل . إذا عرفت ما ذكرنا فنقول : أمّا الاستحقاق بالمعنى الأوّل فلا يمكن الالتزام به في الواجب النفسي ، فضلا عن الواجب الغيري . وأمّا بالمعنى الثاني - أي بمعنى قابليته وأهليته لأن يثاب ويؤجر - فإن كان تحرّكه نحو إتيان الواجب الغيري ناشئا عن قصده التوصّل بذلك الفعل إلى إتيان الواجب النفسي للمولى والمطلوب الذاتي له فقطعا تحصل له القابلية والأهلية للثواب ؛ لأنّه بصدد الإطاعة والانقياد ، فإذا أتى بالمقدّمة بهذا القصد فكأنّه من ذلك الحين شرع في إطاعة أمر مولاه وأظهر الانقياد له تعالى ، وهذا يوجب قربه منه ، وإذا قرب بتقرّبه فيستحقّ الفيض ؛ بمعنى أنّه يكون أهلا وقابلا لهذا المعنى . وأمّا إن كان تحرّكه نحو إتيانه عن دواع أخر عقلائية أو شهوانية فلا وجه لصيرورته مقرّبا من المولى ، ولا يحصل له بذلك قرب أصلا ؛ لأنّ المطلوب للمولى حقيقة وما هو غرضه وتترتّب عليه المصلحة والمفسدة ليس إلّا الواجب النفسي ، وأمّا مطلوبية الواجب الغيري فليس إلّا للوصول إلى ذاك ؛ بحيث لو فرضنا حصوله بدون إتيان هذا الواجب الغيري لم يتعلّق به طلب أصلا .